جلال الدين الرومي

388

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

إليها . فما بالك أيها الانسان لا تحسن صحبة رفيقك بل تسيء اليه في هذه الصحبة ؟ » ( 34 - 35 ) من أمثلة الاحساس الرقيق الذي يتجلى عند غير العاقل أن الشجرة تبتهج بالربيع كل البهجة ، فتردان بالأوراق الخضراء ، وتخضل حين مقدم هذا الرفيق الموافق . فإذا ما أقبل الخريف ، ذلك الرفيق المخالف ، غرفت في نوم عميق ، وغطت وجهها ورأسها بلحاف من السكون . وقد يكون المقصود باللحاف هنا ذلك الثلج الذي يكسو الشجرة ابان الشتاء . ( 36 - 37 ) انتقل الشاعر في هذين البيتين إلى الموازنة بين اليقظة والنوم في مفهومه الصوفي . فالنوم عن الشرور خير من اليقظة . لكن النوم عن القيم الروحية غفلة وجهل . وهكذا يكون كل من النوم واليقظة محمودا في بعض الأحوال مذموما في سواها . فنوم أصحاب الكهف كان خيرا من اليقظة في ظل دقيانوس . ودقيانوس هو الإمبراطور الروماني دقيوس decius ( 249 - 249 - 249 - 251 ) ، وقد عرف باضطهاد النصارى . ( 38 ) قوله : « فيقظتهم كان مصروفة على دقيانوس » ينطوى على تصوير رائع للحاكم المستبد الذي يملك على الناس حواسهم ، ويسيطر على قلوبهم بما يبثه فيها من ذعر ، فيصبح همَّ الناس وشغلهم الشاغل فيقظة أصحاب الكهف كانت كلها وقفا على هذا الملك المستبد ، لأنهم كانوا - على الدوام مهددين بفتكه يتملكهم الخوف منه أما نومهم فكان صورة نبيلة لفناء الروح في خالقها وانصرافها عن العالم الحسىّ . ( 39 ) يقظة الحواس لا جدوى منها ، ان لم تقترن بيقظة الروح . ان يقظة الروح هي اليقظة الحقيقة ، حتى ولو اقترنت بما قد يبدو نوما حسيا . وكذلك لا جدوى من يقظة يقضيها المرء في معاشرة الجهلاء . ( 40 - 41 ) إذا ساد الحس طغى على الروح . ولامكان لأصحاب .